مرعيان المحبة
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

(النورس) /تأليف:صالح رحال/

اذهب الى الأسفل

(النورس) /تأليف:صالح رحال/ Empty (النورس) /تأليف:صالح رحال/

مُساهمة من طرف deeb السبت أبريل 26, 2008 7:10 pm

النورس

الذي يُدير مؤسسة النجوم للتجارة العابرة (ترانزيت) ، شاب وصل إلى الخامسة والثلاثين من عمره، متزوّج من السيّدة مروة، التي تُكنّى (بابنة الأكرميْن)، أبوها طيّبَ اللهُ ثراه، كان في حياته الدنيا شرطيّاً ، لم تغرب عليه شمس قط في خدمته الوظيّفية إلاّ وبلعَ وابتلعَ من أموال الغير بوسائل وأساليب لا تخطر على بال العفاريت، وكانت حُجّتهُ في الدفاع عن نفسه جاهزة دائماً : الراتب لا يكفي، ومُتطلّبات الأبناء والزوجة صبّوحة فوق طاقتي، ومن جهتي فإنّني أقوم بخدمات لهؤلاء الذين يُكرمونني بهذه الهبات الصغيرة التي تُسمّونها رشوةً، وأنا أسمّيها (بخشيشاً)، وهي في التسميتيْن لا تُنقص من أموالهم شيئاً، وعلى مبدأ: نفّعْ أخاكَ وانتفعْ منه، ويستأنف قائلاً: ياأخي أعتبرْ الأمر صَدَقةً، والصدقة لا تُنقص رأس المال.
أمّا أمّها صباح ، أو الصبّوحة ـ كما يدلّعها زوجها ـ فهي معلّمة بامتياز في جباية الأموال، إنْ كان من زوجها الناجي الذي تُبلِسهُ، وتجعله خرقةً بين يديْها من نظرة واحدة، أو من استدعائه تكرّماً منها إلى مناسبةٍ ليليّة سعيدة، أو من طُرُقها (الشريفة جداً) والتي تسلكها في غياب زوجها، وبعضهم يحلفُ بالطلاق ـ على ذمّته ـ أنّها تسلك هذه الطُرُق الشريفة جداً بعلمٍ من زوجها، ولكنْ من وراء ظهره ، مع مَنْ تختارهم من العشّاق، ممتلئي الجيوب، والمُريدين لبهائها وبشرتها البيضاء المطيّبة.
مات الناجي بعد أن عانى من أمراضٍ مختلفة، جاء في خواتيمها قصور الكليتيْن، الذي أقعدهُ وشلّهُ، وجعله مُتنقّلاً ـ بمساعدة أبنائه ـ بين بيته والمشفى الوطني وبشكل دائم لغسيل كليتيْه المعطوبتيْن، وهو لم يصل إلى الستّين من العمر، والصبّوحة الأمّ بُترت ساقها اليمنى وتدهورت الرؤية بعينيْها الاثنتيْن بسبب مرض السكّر، وما زالت روحها مُغتلمة، وهي على مشارف الستّين، تتحسّر على تلك الأيام الخوالي، البهيّة الرائعة التي كانت تُروّض فيها أعتى الرجال، وتُفرغ جيوبه في سهرةٍ مخمليّةٍ واحدة.
وبرغم كل تلك الأموال التي جباها هذان الزوجان الكريمان، فإنّهما كانا في أيّامهما الأخيرة مع أبنائهما في أمسّ الحاجة للمساعدة السخيّة التي كانت تُقدّمها للعائلة ابنتهما مروة، أو السيّدة مروة زوجة النورس مدير مؤسسة النجوم.
ولقب الأكرميْن الذي لَبسَ هذيْن الزوجيْن الكريمين ( الناجي والصبّوحة) وانتقل وراثةً شرعيّة لأبنائهما، لم يأتِ من فراغ ...... فعثمان الذي ضُبط مُتلبّساً وهو يسرق القمح ليلاً من بيدر أهل بلدته، وقُدِّم إلى مخفر البلدة موجوداً، وكان الناجي حينها شُرطيّاً في ذلك المخفر، .. وجاء إلى المخفر وراء عثمان زوجته وابنته الصبّوحة، وكانت هذه الأخيرة فتاة في السابعة عشرة من عمرها، أجمل وأبهى ممّا كان يتصوّره الناجي في أحلامه من نساء ويحتلم بهنّ، ما إنْ رآها حتى انهارَ وذابَ قبل أن تُذيبه فيما بعد ... واستطاع خلال اليوميْن التالييْن أن يعقد الصفقة مع عثمان، وأن يحظى بالقرب والحظوة و.... والزواج من الصبّوحة، وقد أخرجَ أباها من السجن ، متوسّطاً له لدى المختار، كي يُسقط أهل البلدة الشكوى التي قدّموها ضدّهُ، وكان للشرطي سطوة وأي سطوة في ذلك الوقت.
والصبّوحة تعرف صفقة زواجها، وَمُهرها الذي أصبحت بعدهُ زوجةً شرعيّة للناجي ، فهي من جهتها لم تحبّ الناجي في حياتها، ولكنّها رضيت بالأمر الواقع، وأقسمت أنْ تُركّب له الـ....، وقد برّت بقسمها فيما بعد.
ومروة ابنة الأكرميْن فتاة صورة طبق الأصل عن أمّها الصبّوحة، طويلة، ممشوقة، بشرة بيضاء مُطيّبة دائماً، سوداء العينيْن، رِدْفاها ممتلئان وفوقهما خصر يكاد ينعقد، وتحتهما عمودان من رُخام يُذيبان الذي لا يذوب من الرجال.
أمّا عائلة النورس، فوالدهُ المدرّس سفيان الذي ذهب مُعاراً إلى السعوديّة، وبقي مايقارب عشرة أعوام ، جمع أمولهُ قرشاً فوق قرش، وما إنْ عاد حتى استقال من مؤسّسة التعليم، واشترى مكاناً في سوق الهال، وتفرّغَ للبيع والشراء بالجملة، مواد مختلفة من (بصل، بطاطا، بندورة، خيار.....إلخ) سنةً بعد سنة، مستقيماً حريصاً لا يذهب قرش منه في غير مكانه.
اشترى مكاناً آخر مُلاصقاً لمكانه الأول، وضع ابنيْه ـ النورس ونعيماً ـ في المكان الآخر، ولديه طموح في أن يجعلهما رجليْن بالمعنى الحقيقي للكلمة.
تزوّج النورس من مروة بعد أن وقع في غرامها حتى شعر رأسه، قبلت به وهي تعرف الحالة الماديّة المريحة لعائلته، وما بحوزتها من عقارات.
وتمضي الأيام، والنورس يسعى جهده لامتلاك سوق الهال كلّه، إرضاءً لعينيْ مروة، لرغبتها التي ورثتها من أمّها .
تمتلك عائل النورس مكاناً ثالثاً، ثمّ رابعاً في السوق نفسه وبسرعة عجيبه، ويقوم النورس بإنشاء مؤسسة النجوم للتجارة الخارجيّة، بالتعاون مع أبيه وأخيه الأصغر نعيم.
ثمّ يكبر شأن هذه المؤسسة لتغدو علامة فارقة مُميّزة في البلد، يتحدّث عنها الصغير قبل الكبير.
يَمرض سفيان، ويصاب بقصور قلب ... وذَمَة في الساقيْن، ازرقاق في الشفتيْن لدى أقلّ جهد، يرفق به ابناه وزوجته وزوجة ابنه، يأخذونه إلى مُنتجَع جبلي رائع، ويضعون له خادماً خاصّاً به، مع سيّارة وسائق ورجل آخر يعتني بطعامه ودوائه ويبقى في المُنتجع لأكثر من شهريْن.
قالت العائلة: إنّ الطبيب وصف له الدواء ونصحه بهذا الجو الهادئ المريح، وخلال هذين الشهرين صفا الجو للنورس،.... وصفا كثيراً.
النورس وأمّهُ وزوجتهُ مروة كانوا أين ما حلّوا يتحدّثون عن مرض سفيان وعن ارتحاله إلى ذلك الجبل الهادئ، ولا أحدٌ غيرهم يعرف عن مرضه شيئاً.
في البلد ..... تداول الناس أخبار سفيان....
أحدهم قال : إنّهُ رجل كريم وشهم ، ولم يُعرف عنه أنّه أكل قرشاً على أحد .
الثاني بعد ايام قال : إنّه نصّابٌ قذر، لقد وضع فلانٌ معه مليونيْ ليرة منذ ثلاثة أشهر، على أساس تشغيلها له، أعطاه خلال الشهرين الأول والثاني أربعين ألفاً، وانقطع عنه في الشهر الثالث.
الثالث بعد خمسة عشر يوماً قال: إنّ ابنهُ النورس مجرم ولصّ محترف،جبى أموالاً طائلة من العديد من الناس، واختفى النورس الآن.
الرابع بعد عشرين يوماً قال: إنّ عائلة سفيان من أوّلها إلى آخرها هي عائلة لصوص.
يعود سفيان إلى البلد مريضاً أو متظاهراً بالمرض، يُخاتل في الظهور .
يكثر لَغَط الناس وضجّتهم وضوضاؤهم، ولكنْ لا أحدٌ يواجه سفيان مواجهة مباشرة، على أمل أنّ سفيان مازال هو سفيان القويّ، المقتدر، والأمين، وبعضهم أخذ يدور حوله مُخاتلاً ومُنافقاً، وهو يرجو بهذه المداوره أنْ تُعاد له أمواله التي قدّمها بيديْه وعن طيب خاطر لسفيان أو لابنه النورس على أمل الربح الوفير.
ثُمّ تنتشر شائعات حول أموال تُقدّر بثلاث مائة مليون ليرة سوريّة قد أخذتها عائلة سفيان من الناس، و... وهربت.
يهجّ سفيان من البلد مع عائلته كلّها في ليلة ليلاء، ولا أحدٌ يعرف كيف هجّ، إنه مثل جبل كبير من الملح، قد تغشّاه وابلٌ من أمطار غزيرة، تبعتها سيول جارفة، أذابت ذلك الجبل وسحبته مُخرّبةً به حقولاً كثيرة.
يمضي عشرون يوماً ... وتنتشر شائعات أخرى جديدة.
قال الأول: إنّ مسؤولاً كبيراً قد وضع مع النورس خمسين مليون ليرة، استردّها منه في الساعات الأخيرة قبل هروبه، وكان قد أخذها من قبل مُقسّطةً كأرباح لرأس ماله في أقلّ من سنتيْن.
الثاني: هذا المسؤول هو شريكه، إنه هو الذي هرّبه من البلد، هو الذي حماه في الساعات الأخيرة ... هو ...
الثالث: ذلك الخنزير النورس، دخل في سباقٍ مع البورصة، يريد أن يمتلك قارّةً بأكملها، فلّس الرجل بعد أنْ أخذ أموال الناس.
الرابع: إنّ الأرملة (س) قد وضعت في مؤسسة النجوم نصف مليون ليرة، وأنّ العاجز(ع),وهو مشلول الرجل اليسرى (ع) قد وضع في المؤسسة ذاتها مليون ليرة، يصمت... ويستأنف : لطشتها مؤسسة النجوم.
الخامس : أخذ من أقربائه ملايين الليرات بحجّة تشغيلها لهم قبل أن يأخذ من الغرباء، إنّه منشار، باع عقاراته مرّات متعدّدة، والمشترون لا يعرفون ذلك، يشتري المشتري عقاراً منه على الثقة، ويكون النورس قد باعه لمُشترٍ قبله على الثقة أيضاً، سيفرم المشترون بعضهم، سيتناطحون كالكباش على هذه العقارات التي لا تعادل خمسة بالمئة مما أخذه سفيان وابنه النورس منهم نَصْباً واحتيالاً، إنّهم مُغفّلون ... ألم يلحظوا ثروته واتّساع مؤسسته ومصاريفه الخرافيه، وسِفرته وطعامه وو... إنّ هذه المصاريف لا يصرفها رجل عاقل يربح من عرقه وكدّه.
السادس: إنّها مروة ابنة الأكرميْن التي فعلت مافعلته بهم، يضحك ...
السابع: فعلتهُ بهم!!؟؟.. آااخ يا مروة لو أنّكِ .....
الثامن: هؤلاء الناس تنابل، أغبياء، مُرتزقة، يُريدون أن تأتيهم الأموال هكذا دون عناء، إنهم يستأهلون ما فعله بهم النورس وأبوه.
التاسع: لا يوجد قانون رادع لهؤلاء النصّابين الذين يظهرون ويتكاثرون في كلّ يوم، في كلّ بلد، في كلّ مدينة، يغيب واحد ليظهر الثاني والناس لا يتعلّمون، والقانون لا يردع أحداً، إنّهُ يضع الحرامي والمحتال ـ هذا إنْ قبض عليه قبل أن يهرب في الساعات الأخيرة كما هرب سفيان ـ في السجن حمايةً له من أصحاب الدم الحار ... شهريْن، ثلاثة .. سنة، ثم يخرج في أمان الله، والأموال تذهب إلى ...
العاشر ... صامتاً يتحدّث إلى نفسه، لا أحد يسمعه، يُحاذر من الكلمة، يُحاذر من الناس، يُحاذر من ظلّه: كم نورساً وسفيانَ في هذه البلاد؟، كم مؤسسة للنجوم؟، كم نصّاباً علنيّاً مدعوماً بذلك السريّ المخيف؟
العاشر صامتاً صامتاً : إنها بلد النوارس بامتياز.
العاشر مسحوباً من اللغَط القائم حوله، متثاقلاً يمشي في شارع مستقيمٍ طويل.
منقووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووول
[b]

deeb
عضو ذهبي
عضو ذهبي

عدد الرسائل : 82
العمر : 38
تاريخ التسجيل : 24/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى